محمد بن علي الشوكاني
5250
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقد علمت أن هذه قرية ما فيها مزية ، وجهالة بلا محالة ، وقصور باع بغير نزاع ، فهذا هو الأمر الباعث على جمع هذه المباحث ، لما لا يخفى على عارف أن رمي من ذكرنا من الصحابة ( 1 ) [ 11 ] والتابعين وتابعيهم وجماعة من أئمة المسلمين بارتكاب محرم قطعًا من أشنع الشنع ، وأبدع البدع ، وأوحش الجهالات ، وأفحش الضلالات ، فقصدنا الذب عن أعراضهم الشريفة ، والدفع عن هذا الجناب للعقول السخيفة . وقد علم الله أنا لم نقعد في مجلس من مجالس السماع ، ولا لابسنا أهلة في بقعة من البقاع ، ولا عرفنا نوعًا من أنواعه ، ولا أدركنا وضعًا من أوضاعه ، ولكنا تكلمنا بما تقتضيه الأدلة ، وأزحنا عن صدر المتكلم بالجهالة كل علة ، ليكون في إيراد الإنكار وإصداره على علم ، ويتبين له أن هذه المسألة ليست من المواطن التي يحمد القائم في تضليل أهلها ، ولكن كيف يهتدي إلى سبيل الإنصاف من زعم أن مسألة السماع ليست من مسائل الخلاف ، فيالله العجب لو نظر هذا المسكين إلى مصنف من مصنفات المسلمين ، لعلم بطلان دعواه ، وفور جهله وهواه . وهب أن هذه المسألة محرمة بالإجماع ، أما درى هذا الغافل أن للناس في كون الإجماع حجة قطعية أو ظنية مذهبين : أحدهما : أنه حجة ظنية ( 2 ) لا يفيد العلم ، بل يفيد الظن ، وإليه ذهب جمع من المحققين كأبي الحسين البصري ( 3 ) ، والإمام فخر الدين الرازي ( 4 ) ، وسيف الدين الآمدي ( 5 ) وغيرهم .
--> ( 1 ) انظر : " الاستقامة " لابن تيمية ( 1 / 280 - 285 ) . ( 2 ) انظر : " البحر المحيط " ( 4 / 443 - 444 ) . ( 3 ) انظر : " البحر المحيط " ( 4 / 443 - 444 ) . ( 4 ) في " المحصول " ( 4 / 64 ) . ( 5 ) في " الإحكام " ( 1 / 343 ) .